الاثنين، 29 مارس 2010

الثقافة بين المنتج والمستهلك :تطلُّع لاقتصاد السُّوق الثَّقافي ‏


الهواري غـــــزالي :شاعر جزائري وأستاذ بمعهد الدراسات الشَّرقيَّة بجامعة بوردو

تحتاج الثقافة الجزائريَّة سواءً لتدعيم حركيتها داخل البلاد أو خارجها إلى دراسة متأنيَّة ومعاينة هادئة ومجموعة من الإحصاءات التي ينبغي أن تمسَّ كافة الطبقات المكوِّنة للقطاع الثقافي، وذلك بغية الخروج بنتيجة جيِّدة·

لكن لا يمكن الحديث عن تفعيل الثقافة خارج الجزائر دون الحديث عن التَّفعيل الدَّاخلي، لأنَّ هذا الأخير من شأنه -لو تمَّ التَّركيز عليه- أن يسلك مسلكه تلقائيًّا نحو الخارج بدافع الرَّغبة في التأثير· لهذا فلا أعتقد أنَّ الحديث في هذه السَّاعة عن الثَّقافة الجزائريَّة بالسَّاحة الخارجيَّة يمكن أن يقدِّم نتيجة ملموسة، على الرَّغم من أنَّ مبادرة من هذا النَّوع قد تكون من الآن مفيدة لو تمَّ تناولها بشكل استراتيجي ومدروس·

ترتبط الثَّقافة الحديثة والغربيَّة على وجه الخصوص -والتي تعتبر نموذج الأغلبيَّة العامَّة- بالصِّناعة· تستلزم هذه الأخيرة مستويين: الإنتاج والاستهلاك· فأمَّا على مستوى الإنتاج، فإنَّ المثقَّف الفردي (الفنَّان) يعتبر بمثابة مصنِّع أفكار، وفنون وموسيقى· وهذه الصِّناعة الفكريَّة موجَّهة بشكل تجاري ومنتظم للاستهلاك الجماعي من جهة عن طريق وسائل مختلفة كالإعلام المقروء، المرئي والسَّمعي، صالات العرض (سينما، مسارح، وقاعات)، دور النَّشر والمكتبات البلديَّة والخاصة، ومن جهة أخرى، عن طريق الجمعيات التي تساهم على نحوٍ أوسع في تمرير هاته الصِّناعة بشكل غالبا ما يكون بطريقة غير تجاريَّة· أما على مستوى الاستهلاك، فإنَّ المهتم بالثقافة يستجيب بطبيعة التكوين الثقافي لديه؛ طبقته الاجتماعية التي ينتمي إليها؛ بنائه التربوي؛ مستواه الدراسي؛ مركزه المهني؛ ومجال اهتمامه إلى نوعٍ من أنواع هذه الصِّناعات؛ حيث يساهم في إكمال الدورة التجاريَّة التي بـها ينتهي إليه المنتوج· تستفيد الدَّولة من جهتها من هذه المداخيل وذلك من خلال الضَّرائب التي تمسُّ سواءً المنتوج ذاته أو المصنِّع· (يذكر مثلاً أنَّ المغنِّيين الكبار يفرُّون من فرنسا إلى سويسرا أو بلجيكا نظرا لضخامة الضرائب)· هذه عموما صورة موجزة عن حركيَّة الثقافة بأوروبا التي تدور مدار الصِّناعة بين الإنتاج المطالب بالإبداع لضمان الجدَّة وبالتَّالي لضمان السُّوق، وبين الاستهلاك المستمر الذي تحفِّزه مساحات الإشهار·

غير أنَّه لا يمكن أن نصف هذا النَّوع من الديناميكيَّة الثقافيَّة بالنَّاجح أو بالكاسد، لأنَّه محكوم بإيديولوجيا ماديَّة لا ترى في الثقافة الجوهر الإنساني بقدر ما ترى فيه شكلا من أشكال الحفاظ على رأس مال الشركات، والتَّحكم عن بعد في طريقة التَّفكير البشري· بالنسبة لنا، فإنَّ انتماءنا التَّاريخي والايديولوجي المختلف لاسيما في سنوات السبيعينيات كوَّن نظاما ثقافيًّا يبتعد عن اعتبار الإنسان مجرَّد حركة لتسيير الرأسمال، ولذلك، فإنَّ تحمُّل تبعات الثقافة سواء بالنسبة للمستهلك أو المثقف كان يتم عبر تدعيم الأسعار وغيرها·

إنَّني أعتقد أن هناك تحدِّيات ضخمة جدًّا في زمن العولمة لا سبيل لذكرها الآن، ولكن نحصرها فقط في مسألة غياب الصِّناعة كمحرِّك أساسي للاقتصاد يجعل العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك غير محكمة، وهو ما يجعلنا نتصوَّر تهديدا لقطاع الثقافة· لكن تتوفَّر الجزائر خلافاً لذلك على إمكانيات في مجال الزِّراعة والسيَّاحة (لا ذكر لمواد الخام لأنها غير مضمونة على الأجل البعيد)، وهي إمكانيات لا تدفعنا بتاتا لتصوُّر تفعيل ديناميكيَّة الثقافة على مقياسٍ أوروبي، وسيكون خطأً فادحا لو قمنا بذلك· وعليه، فإنَّ جميع المثقَّفين الجزائريِّين مدعوُّون إلى فتح نقاش حقيقي ومستمر ليس بينهم فقط، وإنَّما أيضا مع المختصِّين في المجال الاقتصادي، السياحي، الإعلامي، القانوني، والسيَّاسي خصوصاً (وهي نقطة مهمَّة جدًّا)، لتباحث عمليَّة تفعيل الثقافة على صعيد أكبر وأضمن وأنسب لواقعنا الاجتماعي·

لتلخيص أهم الطرق من أجل تفعيل حقيقي لديناميكية الثقافة الجزائريَّة داخليًّا وخارجيًّا، نذكر ما يلي:

1. لابدَّ قبل الخوض في خلق علاقة مباشرة بين المنتج والمستهلك، أن تُدرس البنية التكوينيَّة للإنسان الجزائري· ولعلَّ أوَّل ما يمكن ملاحظته، هو سيطرة نظام الشَّفهية على طريقة استقبال المعلومة، فنحن ننفر من الأشكال الكتابيَّة ونقترب كثيرا من السَّماع والنَّظر بحكم توارثنا المسموع عموما، لذلك فقد أظهرت إحصاءات قامت بها هيئات جزائريَّة تثبت أنَّ الإنسان الجزائري لا يقرأ أكثر من 6 دقائق في العام، وهو يفضِّل أن يقضي أكثر وقته أمام الفضائيَّات ووسائل الإعلام السَّمعيَّة· محور تطوير الثقافة الجزائريَّة إذاً، في رأيي، لابدَّ أن يمرَّ في المرحلة الأولى شفهيًّا عبر وسال إعلام جزائريَّة، لأنَّ من شأن هذه الوسائل تسهيل الوصول إلى المستهلك بسرعة وبدون تكاليف كبيرة· لكن عن طريقها أيضا، يمكن بناء استراتيجيَّة داخليَّة من شأنها تكوين مستهلك على الأفق البعيد يكون قادراً على الاهتمام بالمنتوج الكتابي، ويساهم بعد رفع القدرة الشِّرائيَّة مستقبلاً على الاستهلاك··(وهذا مهم جدًّا وضروري)، لذلك ففتح مجال الإعلام أصبح أكثر من ضرورة·

2. ينبغي من جهة أخرى، تنظيم القطاع الثقافي وخلق بنيات مختلفة تتكفَّل كل واحدة منها بتسيير قطاع معيَّن كالسينما أو المسرح، أو الموسيقى حتَّى تسهل عمليَّة التطوير السَّريع، كأن تخلق وزارات مصَّغرة كما يبدو ذلك في بعض الدول من مثل المجلس الأعلى للثقافة والفنون بالكويت، المركز الوطني للكتاب بفرنسا، وغيرهما· الجمعيَّات الثَّقافيَّة بإمكانها لو تخضع لنظام المؤسَّسات ويصبح أعضاؤها مأجورين تقديم خدمات جيِّدة في هذا المجال·

3. دراسة جميع النَّماذج الثقافيَّة التي نجحت في الدول الأخرى -وليس بالضرورة أن تكون غربيَّة- ومحاولة معرفة ما هو سرُّ النَّجاح وما هي التَّحديات والعواقب التي قد تنجم عن ذلك·

4. تنقيَّة السَّاحة الثقافيَّة من السبِّ والشَّتم الذي يتعرَّض فيه المثقفون لبعضهم البعض، وبناء ثقافة بنواتها الأساسيَّة وباختلافاتها، مع التَّركيز على تمجيد المثقف، وتشجيعه على جميع المستويات· فقد يكون المساس بشخصيَّته من أسباب وهن الأمَّة، فليس باستطاعته أن يقدِّمَ شيئاً لأمَّة تدحره وتسيء إليه· وإن كان قد قدَّم شيئا فمن باب النِّقمة، وهذا ليس في صالحها وهي في مسار البناء·

5. تسهيل عمليَّة الإنتاج وتوفير السبل لصناعة الثقافة· ينبغي القيام بتكوين أفراد في القطاع التقني والإداري للثقافة على جميع المستويات بالداخل وبالخارج·

6. تطوير صناعة الكتاب ودعم إنشاء مجلات مختلفة، (ليس إجبارا أن تكون ثقافيَّة)·

7. إذا عدنا إلى مسألة الاستهلاك، فهناك نوع آخر منه يمكننا الاعتماد عليه بمستوى الخارج، وهو الاستهلاك الأجنبي، الذي يخضع لتصديرٍ داخلي وخارجي· أمَّا التَّصدير الدَّاخلي، فهو العمل على تطوير الثقافة الجزائريَّة داخل فضاء الصَّحراء، والاهتمام بها لأنَّ هذا الفضاء هو أكثر الفضاءات مجلبةً للسيَّاح· وبالتَّالي، فإنَّ الثَّقافة الجزائرية لا يمكنها المرور في رأيي إلى الخارج إلا عبر تصديرها داخليًّا من خلال الصَّحراء، بل يمكنها أن تكون البترول الفكري للجزائر· فالمهرجانات الموسيقيَّة الدُّوليَّة مثلا قد تسجِّل حضوراً قويًّا عبر الصَّحراء، وليس بالمدن السَّاحليَّة·

8. تصدير الثقافة الجزائريَّة قد يمرُّ عبر التَّرجمة إلى اللغة الفرنسيَّة، باعتبار أمرين، أنَّنا نملك طاقة جيدة في مجال التَّكوين اللغوي الفرنسي لاسيما الطبقة الفرونكفونيَّة التي من شأنها دعم هذا الأمر، وثانيا، تصنَّف الجاليَّة الجزائريَّة من حيث المجتمعات المهاجرة في المرتبة الثَّانيَّة بعد البرتغال بفرنسا، وبذلك فهناك سوق جيِّد ومضمون يمكن التعاطي معه مستقبلاً· يمكن من جهة أخرى للمراكز الثقافيَّة الجزائريَّة أن تكثِّف مجهوداتها عبر جميع نقاطها بالعالم، كما يمكنها القيام بخلق قائمة للجمعيات الثقافيَّة العربيَّة والأوروبيَّة التي تهتم بالثقافة الجزائريَّة لغرض التَّنسيق·

هذه بعض النِّقاط السَّريعة التي تحتاج لتوضيح أكبر من خلال إنجاز تقرير ضخم ومفصَّل· لكن قبل الوصول إلى التوضيح والتَّفصيل، تحتاج الثقافة لتحريك ديناميكيتها إلى تطلُّع اجتماعي، رؤية اقتصادية وقرار سياسي· كما ينبغي، في الواقع، من أجل تنشيط ملف ثقيل من هذا النَّوع تحضير ندوة مطوَّلة ومغلقة قد تنسحب على سنتين أو ثلاث، يشارك فيها جميع المعنيِّين بالقطاع والذين يستطيعون إعطاء رؤيا كاملة من شانها تحريك الثقافة الجزائريَّة على المستوى الوطني أوَّلا، الإقليمي ثانياً، العربي والعالمي ثالثاً·

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الساعة بتوقيت الجزائر تشير الى

 

Copyright 2008 All Rights Reserved | الجزائر للسياحة Designed by Bloggers Template | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة